منتدى رابطة محبي اللغة العربية
أهلاً وسهلاً
يشرفنا تسجيلكم لدينا
الكلمة مسئولية صاحبها


مجلة تخصصية في علوم اللغة العربية ، لخدمة طلاب وأصدقاء لغتنا ، ونشر الخير والعطاء حفظا للغة القرآن الكريم
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
ما تكتبه تحت مسئُوليتك ، فالكلمة أمانة ، نحن نلتزم بالأخلاق والقيم الفاضلة ، نرجو أن تكون أفضل منا بسلوكك وأخلاقك**

(تسجيلك باللغة العربية) باسمك الحقيقي أو بمعرف عربي مفهوم . يسعدنا ويشرفنا ، ويجعلك من أسرة المنتدى
أهلا بك يا خلود أحمد ، إيجابيتك في التواصل والمساهمة تتيح لنا الاستفادة من أفكارك القيمة ، وترشحك للإشراف عندنا ،فخير الناس أنفعهم للناس،وهدفنا :تبادل المعرفة والثقافة والحوار الهاديء المفيد والمُثْري للموضوعات ، وشكرا لك
يا رب اجعلنا ممن يترك للناس عملا صالحا وقولا نافعا واجزنا عنه خير الجزاء
مطلوب مشرفين متخصصين لجميع الأقسام بالمنتدي ومن يرغب عليه مكاتبة الادارة مشكورا *
يمكن لمن يرغب في تهنئة أو مشاركة أي عضو بأية مناسبة عنده علي الشريك المتحرك الاتصال بتقديم عبارة التهنــئة آو المواساة بالادارة حتي يتم اعلانها له علي الشزيط بعد مراجعتها
شاطر | 
 

 في ظلال رسالة الغفران للمعري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد أبو القاسم
عضو جديد
عضو جديد



السودان
ذكر
عدد المساهمات: 1
تاريخ الميلاد: 04/11/1965
العمر: 49
تاريخ التسجيل: 07/02/2014
الموقع: جامعة القرآن الكريم
العمل: أستاذ
المزاج: لغوي
تعاليق: الحمد لله رب العالمين



مُساهمةموضوع: في ظلال رسالة الغفران للمعري   الجمعة 07 فبراير 2014, 4:59 pm

في ظلال (رسالة الغفران)
(1)
    شهدت أواسط القرن الرابع الهجري ذروة الصراعات الأممية داخل حاضرة الدولة العباسية العظيمة بغداد ، وكان ذلك نذيراً بانقضاء العهد الزاهر لدولة ملأت الأرض حضارة وعلماً لأكثر من قرنين من الزمان ، انصهرت فيها القوميات وتمازجت في حضارة إسلامية باهرة تلت الملك العربي العامر كذلك بأسباب الرقي والنهوض فترة بني أمية . وعلى الرغم من أن هذه الصراعات لم تسقط بغداد ذلك القرن إلا أن سيطرة بني بويه والسلاجقة من بعدهم عليها جعلت قبضة الخليفة العباسي على أركان الدولة تتفكك ، فظهرت الدويلات المستقلة في أطراف الإمبراطورية الكبيرة في ما وراء النهر شرقاً ، وفي المغرب غرباً ، وفي الشام شمالاً ، هذا عدا ما كان من ثورات وحركات هنا وهناك ، ثم توالت الدويلات[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_edn1][1][/url].


    وعلى الرغم من هذا المظهر الممزق شهدت هذه الدويلات رقياً وعمراناً كبيراً ، ذلك أن القادة الذين أنشأوها كانوا أقوياء حقاً وجديرين بالملك والسيادة ، فقادة كمحمود بن سبكتكين الغزنوي وسيف الدولة من حمدان وأمثالهم كانوا قادة أبرزوا لنا من العلماء مثل البيروني، ومن الأدباء مثل المتنبي . ولكن هذه البيئة الإسلامية المتصارعة سياسياً أنشأت صراعاً مذهبياً وفكرياً عريضاً ، فازدهر الجدل وعلم الكلام ، وتنامت الفرق وتعددت فكان المعتزلة والأشاعرة والمرجئة ، وأخرج التشيُّع فرقاً غالية كالكيسانية والنصيرية والدروز، وظهرت فرقة القرامطة ، وحدثت ثورات عنيفة نتيجة المذهبية وعصبيتها ، وأخرج التصوف غلاة تعمقوا في الباطنيات والغتوصيات ، وفي ظل كل ذلك ولد في عام 363هـ أحمد بن سليمان الذي اشتهر بكنيته (أبي العلاء) ببلدة معرة النعمان من أطراف حلب بالشام ، وأخذ يتغذى بكل ما ذكر من ميراث عصره ، ناشئاً بين آل من العلماء والقضاة من أعمامه وأخواله الذي توارثوا قضاء حلب [url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_edn2][2][/url].
(2)
     وجه دميم ، وعمًى منذ الصغر، مع أمراض في البطن، وبثور الجدري تملأ الجسد وتزيد الوجه دمامة، ومقام في قعر غرفة لا يخرج عنها ، كان هذا هو أبو العلاء المعري ، قال عنه الأنباري :" مولد أبي العلاء يوم الجمعة مغيب الشمس لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ، وعمي بالجدري ، وجدر أول سنة سبع وستين وثلاثمائة ، فغشى يمنى حدقتيه بياض ، وأذهب اليسرى"[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_edn3][3][/url]. مات أبوه وهو في ريعان الشباب ومبدأ الفتوة ، على خلاف بين الرواة في عمره حينها، ثم ماتت أمه وهو رجل يسبق الأربعين بأعوام قلائل، حيث كان في طريقه من بغداد للمعرة ، لكنه يتلقى ذلك كطفل رضيع فقد حضن أمه ، فيفرض على نفسه الحبس داخل داره حتى يموت[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_edn4][4][/url]، وهو يعدُّ ذلك سجناً اختيارياً ، مع سجنين آخرين لا خيار له فيهما ، أحدهما عماه ، والأخر حياته التي يراها سجناً ، بل صوماً يفطر منه يوم مماته يقول:
أراني في الثلاثة من سجوني              فلا تسأل عن الخبر النبيث
  لفقدي ناظري ولزوم بيتي              وكون الروح في الجسد الخبيث
ويقول :
أنا صائم طول دهري وإنما       فطري الحمام ، ويومذاك أعيِّد[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_edn5][5][/url]
    لكن كيف كانت نشأته وصفاته قبل ذلك؟ ، عن علمه يكفينا أن نروي قصته بدار الحكمة ببغداد وأمليت عليه كل كتبها فلم يكن فيها من جديد عليه إلا ديواناً لشاعر واحد مغمور . وشيء آخر أنه بلغ من حفظه النادر القصة التي تروى عن شهادته بما سمع من تخاصمين بالعبرية التي لم يكن يعلم منها كلمة ، ولكنه شهد بذكر كل ما قيل بينهما عند تخاصمهما [url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_edn6][6][/url]، وهذا دليل على شهادة أهل عصره له ومن أرخ له بحافظة تتقاصر دونها حواسيب عصرنا صحت هذه الرواية أم لم تصح . أما ما كان من اعتراف علماء عصره له فحسبنا أن نعلم أن داره كانت مقصداً لطلاب العلم ، بل إن أكثر ما كتب كان إجابة عن مسائل جاءته من علماء ؛ فـ (رسالة الملائكة) يجيب فيها عن مسائل في النحو والتصريف والاشتقاق جاءته من بعض معاصريه ، و(رسالة الغفران) التي بين أيدينا الآن اجابة عن رسالة (لعلي بن القارح) وهو من أكابر علماء وشيوخ حلب يحييه بإكبار ويجعله له شيخاً بقوله :" أطال الله بقاء مولاي الشيخ الجليل"[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_edn7][7][/url] ،  بل يجعل صفحات من رسالته في الاعتذار لأبي العلاء عن رأي في أحد الشيوخ ممن يكبرهم أبو العلاء ، ويستفتيه في أمور في الشريعة والأدب وعدد من الزنادقة ومن انحرف بتصوفه ، وغير ذلك من المسائل التي يفصِّل أبو العلاء الرد فيها ، ويكرر الاعتذار وسط الرسالة وآخرها ، ومن ذلك قوله:"وأنا معتذر إلى الشيخ الجليل منى تقريظه مع تفريطي فيه ، لأنه قد شاع فضله في جميع البشر ، وصار غرة على جبهة الشمس والقمر. خلَّد ذلك في بدائع الأخبار ، وكتب بسواد الليل على بياض النهار . وأنا في مكاتبة حضرته بمنظوم ومنثور كمن أمد النار بالشرر، وأهدي الضوء إلى القمر"[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_edn8][8][/url] .  ومن آثاره كذلك ما عرف برسالة (الصاهل والشاحج) وهي كذلك رد على بعض السائلين ، يرسل المعاني فيها على لسان الحيوان ، ثم ما كان من مناظرة بينه وبين داعي دعاة الفاطمية فيما جمع له باسم (رسائله الى داعي الدعاة) كل ذلك وغيره مما يدل على شهادة أهل عصره له .
(3)
    ولكن آراء أبي العلاء في مسائل من الفقه والاعتقاد ، وكثرة مناظراته ، وكثرة حساده ، كل ذلك جعله متهماً في دينه ، فجمع الدكتور عبد الكريم الخطيب – من المعاصرين – كتاباً  كاملاً عن عقيدة أبي العلاء يكاد يجزم فيه بتكفيره[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_edn9][9][/url] ، ويصدِّر الإمام الذهبي ترجمته له بالقول :" الغوي الشاعر صاحب التصانيف السائرة والمتهم في دينه " ، لكنه يتردد بين ما يروى عن غلوِّه في العقل وعن زهده وتنسكه ، فيستشهد من شعره بما يجعل النظر إليه بوصفه منحرفاً في دينه أكثر منه معتدلاً أو مستقيماً ، من نحو :
هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدت      ويهود حارت والمجوس مضلَّلة
رجلان أهل الأرض : هذا عاقلٌ     لا دين فيه ، وديِّنٌ لا عقل له
ونحو :
وما حجي إلى أحجار بيت      كؤوس الخمر تشرب في ذراها
إذا رجع الحكيم إلى حجاه      تهــــــــــــــــــاون بالمذاهــــب وازدراهـــــا
بل أشار لأن بعض مؤلفاته ومنها رسالة الغفران قد "احتوت على مزدكة وفراغ " ، وروى عن الباخرزي أنه عارض القرآن بكتابه (الفصول والغايات)[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_edn10][10][/url]، ولكن تصريحه في أكثر من موضع وما يمكن أن تحمل عليه أقواله يجعله مؤمناً متعمقاً ، فقد روى الذهبي نفسه عن بكائه وهو يتلو القرآن ويذكر الآخرة ، ورده على بعض ما أخذ عليه بما ينكر تأويله بالتكفير ، هذا والقلوب والسرائر لا يعلمها الا الله العليم  .
 
(4)
    وقف على قبر أبي العلاء عند موته أكثر من ثمانين شاعراً يرثونه، هذا القبر الذي كتب عليه:
هذا جناه أبي علي              وما جنيت على أحد
ذلك أنه لم يتزوج حتى مات وقد بلغ الستة والثمانين عاماً سنة 449 هـ ، وكان كذلك لا يأكل لحم الحيوان  ولا يشرب لبنه ، معتقداً أن هذا ظلم للحيوان ، وخلف بعد حياته المريرة العامرة  آثاراً عظيماً منها ما ضاع ومنها ما بقى ، ومما بقى من شعره "اللزوميات أو لزوم ما لا يلزم" وهو ديوان فلسفي نظمه على حروف المعجم في قوافيه ، وفي كل حرف أتى بقوافٍ على الحركات الثلاث والسكون ، وهو مع (رسالة الغفران) ما حمل به الناس عليه في دينه، وكذلك ترك ديوان "سقط الزند" وهو من شعره ما قبل محبسه ، وفيه قصائد (الدرعيات) التي تحتاج تعريفاً فنياً ونفسياً ورمزياً واسعاً ، أما آثاره النثرية فعلى رأسها (رسالة الغفران) ثم (الفصول والغايات) و(رسالة الملائكة) و (رسالة الهناء) ، و (رسائله  إلى داعي الدعاة)  و(الصاهل والشاحج) وغيرها.
(5)
        (رسالة الغفران) قسمان كما قسمتها محققتها د.عائشة عيدالرحمن ، أولها رحلة خيالية بين الجنة والنار في الدار الأخرة ، والثانية رد على رسالة (ابن القارح) بفقراتها وموضوعاتها المتعددة .
    مدخل الرحلة في الدار الأخرة جعله أبو العلاء من الرد على ثناء ابن القارح في رسالته على الله تعالى ، فجعل من هذا الثناء سبباً لورود ابن القارح على الجنة ، فيبدأ في وصف ما يجده ، معتمداً على وصف الجنة في القرآن ، وعلى خياله الخصب الذي زاده عماه عن أن يحدَّ بما يراه المرء من نعم الدنيا ، فيمرُّ على وصف شجر وأنهار الجنة من عسلها وخمرها ولبنها ، ثم يمرُّ بمن هم في الجنة من رجال الأدب في العصور التي سبقته ومن معاصريه ، فيبدأ بأهل اللغة من سيبوبه والكسائي وأضرابها ، ثم الشعراء الذين يدخل في روعنا من سيرتهم أنهم عملوا بعمل أهل الجحيم ، فيفسر لنا دخولهم الجنة بسؤال كل منهم : " بم غفرلك؟" ، فيبين ما غفر له به ، من هنا جاءت تسمية الرسالة بالغفران . وأثناء ذلك التحاور يطرق مسائل في النقد واللغة معهم ، ويعكس فيها آراءه ، ويجادلهم فيما اشتهر من آرائهم ، ويستمر في وصف نعيم الجنة من قصورها وحورها وولدانها المخلدين وأطعمتها وأشربتها، ويمرُّ على الجن في الجنة ، فيحاورهم ويجعل لهم شعراً يتناشدونه معه ، ثم يذكر حيوانات الجنة ، ويجعل بعض الناس في الجنة دون بعض كالحطيئة إذ يصف موضعه بالحقارة لما كان منه من الهجاء ، ويجعل بعضهم محروماً من الخمر لشربه لها في الأولى ، ثم يجعل الرجاز في موضع أدنى بالجنة، لدنوِّ الرجز عن بقية الشعر!!، ثم يصف النار ، وكيف أن أبا القارح ينظر من موضع بالجنة لأهل النار ، ويظهر تخابث أبي العلاء في جعله ابليس يسأل متخابثاً عما يفعل أهل الجنة بالولدان المخلدين ، ويتجادل مع الشعراء الذين جعلهم في النار عن بعض ما ورد في شعرهم، وسيرتهم ، جاعلاً على رأسهم بشار بن يرد من غير الجاهليين ، وبينهم الأخطل التغلبي النصراني ، ثم البقية كلهم من الجاهليين.
    هذا الخيال الذي لا يمكن نقله ملخصاً عبر عرضنا لهذه الرسالة، وسار عليه الكثيرون بعد أبي العلاء محاولين أن يحتذوا حذو ( رسالة الغفران ) من أهل المشرق والمغرب ، ولكن لغة أبي العلاء ، وما ضمنه من أدب وحوار راقٍ لم يدن منه (دانتي) في (الكوميديا الإلهية) كما حاول بعض النقاد أن يصوِّر ذلك.
(6)
    ثم تحوي (رسالة الغفران) مواضيع شتى في ردها المفصَّل على رسالة ابن القارح ، فتتحدث عن الوفاء والنفاق ، وعن الصداقة وحسن المودة، وعن الأدب وأحوال الأدباء ، ويحاول فيها إظهار التواضع وكونه رجلاً بسيطاً في معارفه وحياته ، ثم في حديث طويل عن الزنادقة وأحوالهم دخل عليه بالرد على ابن القارح في إشارته للمتنبي ، ولم يخرج منه إلا وقد طاف على كل من عرفه المسلمون من طوائف الزنادقة والغلاة من المتشيعة والمتصوفة ، خاصة الشعراء منهم ، ولم يترك كلمة لخصت مذهب كلٍّ إلا قالها ، معتذراً لبعضهم ومهاجماً الآخرين ، ثم يذكر بعض الزهاد وأحوالهم من نحو الفضيل بن عياض والخليفة عمر بن عبد العزيز ، ويختم الرسالة بحديث عن التوبة والحج وذم الخمر ، وعن النساء في كلمات تذكرنا بما أورده عنهن في درعيته المشهورة :
عليك السابغات فإنهن      يدافعن الصوارم والأسنة[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_edn11][11][/url]
        ثم يعتذر لابن القارح بعوائق الزمن التي أخرته عن إملاء الرسالة ، قائلاً عبارته التي اشتهرت في (أيام) طه حسين : " وأنا مستطيع بغيري ، فإذا غاب الكاتب فلا أملاء ، ولا ينكر الإطالة علىي ، فإن الخالص من النضار العين ، طالما اشترى بأضعافه في الزنة من اللجين ، فكيف إذا كان الثمن من النُّميَّات يوجدن في الطريق مرميات"[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_edn12][12][/url]. ويظهر هنا حرصه مرة أخرى على إظهار تواضعٍ يبلغ مداه في كلماته هذه الخاتمة التي يظهر لنا فيها أنه يبخِّس ما في هذه الرسالة ، ويراه شيئاً قليل القيمة!.
(7)
        لأن أبا العلاء كان ظاهرة غير عادية ، وكان أدبياً ولغوياً ، ومجادلاً لا يباري ، فقد أخذ بأيدي كبار الأدباء والعلماء الى المجد عبر بوابة كتبه . إن أمرأة مثل بنت الشاطئ تجعل جهدها العلمي لثلاثين عاماً في أغلبه موجهاً لأبي العلاء لدليل على قوة آثار هذا الرجل ، فكانت رسالتها للماجستير باسم (الحياة الانسانية عند أبي العلاء) ، وأصدرت في التسعينات كتابها في سيرته (مع أبي العلاء في رحلة حياته) ، وبين هذين حققت (رسالة الغفران) ، وحققت (رسالة الصاهل والشاحج) و أصدرت كتابها (جديد في رسالة الغفران) ، وغير ذلك . وسبقها أستاذها طه حسين ، الذي كتب (مع أبي العلاء في سجنه) وكتب (رهين المحبسين) ، بل خرَّج تلاميذه ينشغلون بأبي العلاء ، كأديبنا العالم عبد الله الطيب المجذوب التي تخرج برسالة دكتوراه عنوانها (أبو العلاء شاعراً) ، وجعل فصلاً كبيراً من مرشده في جزئه الرابع عن أبي العلاء ، عدا ما ورد عنه في مجلدات الكتاب الخمسة التي لم يخل أحدها من ذكر أبي العلاء ، ثم نجد الدكتور عمر فروخ ، والدكتور عبد الكريم الخطيب ، وعباس محمود العقاد ، كلهم ممن سلك درب الكتابة عن أبي العلاء إكباراً وتعلُّماً أو نقداً ، هذا غير ما تركه الأقدمون من لدن ياقوت الحموي ، وابن العديم ، وغيرهم. وما فات مستشرقو الغرب أن يطوفوا على كتبه ، فدائرة المعارف الإسلامية التي صنفها جمع من الانجليز ذكرت بها مواد عديدة عن أبي العلاء  وكتبه، وأخذ عنه (دانتي) ، و(جوتة) و(ستاندال) ، وكتب عنه الكثيرون ممن أرخوا للأدب العربي منهم. وقطعاً لا يضير آثار أبي العلاء أن يجعله فتانا معاوية محمد نور دون الفلاسفة ، ويحاول أن يصفه بالمرض النفسي حين يحاول معالجته ، ولعل عمر معاوية محمد القصير الذي تقسم بين الطب والصحافة والأدب والمرض لم يسعه أن يفهم أبا العلاء جيداً حتى يكتب عنه بدراية.
(8)
        (رسالة الغفران) ليست عبثاً لفظياً ، أو تسلية خيالية أو فراغاً، وإن حوت شيئاً من ذلك ، لكنك تجد بين كل صفحة وأخرى مسائل في مختلف العلوم اللغوية ، وحاولت أن أدوِّن بعضاً من المسائل النحوية الواردة فيها ، فوجدتني أعرج على مسائل في فقه اللغة وأخرى في العروض والقوافي – وهي كثيرة بحيث يمكن جمع نقاشها في كتاب كامل ، وأخرى في الغناء، وغيرها في البلاغة ، والتصريف ، والنقد ، ولو راجعنا حوار ابن القارح مع امرئ القيس وحده لوجدنا فيه طرحاً لمسائل في خمسة من علوم اللغة ، ورحم الله أبا العلاء ، والله الميسر والمعين.                                                                                                                                                          
 
الهوامش :





[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_ednref1][1][/url] محمد الخضري : الدولة العباسية : مؤسسة الكتب الثقافية /بيروت/ ط1 2002م : ص368، 374، 375 .
[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_ednref2][2][/url] أبو البركات الأنباري : نزهة الألباء (تحقيق إبراهيم السامرائي) /مكتبة المنار/ الأردن / ط3 1985م ص 258.
[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_ednref3][3][/url] أبو البركات الأنباري : م. س. :ص 257.
[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_ednref4][4][/url] الذهبي (شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان ت748هـ) : سير أعلام النبلاء (بتحقيق: محمد بن عبادي عبد الحليم) / مكتبة الصفا / القاهرة / ط1 2002م :الترجمة رقم 4368 ج 11 ص 14.
[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_ednref5][5][/url] أبو العلاء المعري : لزوم ما لا يلزم :
[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_ednref6][/url] [6]  الذهبي : سير أعلام النبلاء: ج 11 ص14.
[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_ednref7][7][/url] بنت الشاطئ (عائشة عبد الرحمن ): تحقيق رسالة الغفران / دار المعارف / مصر/ ط9 د.ت. / نص رسالة ابن القارح ص31.
[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_ednref8][8][/url] المرجع نفسه :ص62.
[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_ednref9][9][/url] عبد الكريم الخطيب : أبو العلاء المعري بين الإلحاد والإيمان /
[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_ednref10][10][/url] الذهبي : م. س. ج 11 ص 13، 14، 15.
[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_ednref11][11][/url] أبو العلاء المعري : سقط الزند :
[url=file:///C:/Users/MOHDGASIM/Desktop/%D9%86%D9%82%D9%8414/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF%D9%8A/%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9 %D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86.doc#_ednref12][12][/url] أبو العلاء المعري : رسالة الغفران :  
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

في ظلال رسالة الغفران للمعري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى رابطة محبي اللغة العربية ::  :: -